الشيخ الأنصاري

369

فرائد الاُصول ( طبع انتشارات اسلامي )

من حيث الأصل الموضوعي الثانوي فالحل غير مستند إلى أصالة الإباحة في شيء منها هذا ولكن في باقي الأخبار المتقدمة بل جميع الأدلة المتقدمة من الكتاب والعقل كفاية مع أن صدرها وذيلها ظاهران في المدعى . وتوهم عدم جريان قبح التكليف من غير بيان هنا نظرا إلى أن الشارع بين حكم الخمر مثلا فيجب حينئذ اجتناب كل ما يحتمل كونه خمرا من باب المقدمة العلمية فالعقل لا يقبح العقاب خصوصا على تقدير مصادفة الحرام مدفوع بأن النهي عن الخمر يوجب حرمة الأفراد المعلومة تفصيلا والمعلومة إجمالا بين محصورين والأول لا يحتاج إلى مقدمة علمية والثاني يتوقف على الاجتناب من أطراف الشبهة لا غير . وأما ما احتمل كونه خمرا من دون علم إجمالي فلم يعلم من النهي تحريمه وليس مقدمة للعلم باجتناب فرد محرم يحسن العقاب عليه فلا فرق بعد فرض عدم العلم بحرمته ولا بتحريم خمر يتوقف العلم باجتنابه على اجتنابه بين هذا الفرد المشتبه وبين الموضوع الكلي المشتبه حكمه كشرب التتن في قبح العقاب عليه . وما ذكر من التوهم جار فيه أيضا لأن العمومات الدالة على حرمة الخبائث والفواحش و ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا تدل على حرمة أمور واقعية يحتمل كون شرب التتن منها . ومنشأ التوهم المذكور ملاحظة تعلق الحكم بكلي مردد بين مقدار معلوم وبين أكثر منه فيتخيل أن الترديد في المكلف به فمع العلم بالتكليف يجب الاحتياط . ونظير هذا قد وقع في الشبهة الوجوبية حيث تخيل بعض أن دوران ما فات من الصلاة بين الأقل والأكثر موجب للاحتياط من باب وجوب المقدمة العلمية وقد عرفت وسيأتي اندفاعه . فإن قلت الضرر محتمل في هذا الفرد المشتبه لاحتمال كونه محرما فيجب دفعه . قلت إن أريد بالضرر العقاب وما يجري مجراه من الأمور الأخروية فهو مأمون بحكم العقل بقبح العقاب من غير بيان وإن أريد ما لا يدفع العقل ترتبه من غير بيان كما في المضار الدنيوية ف وجوب دفعه عقلا لو سلم كما تقدم من الشيخ وجماعة لم يسلم وجوبه شرعا لأن الشارع صرح بحلية ما لم يعلم حرمته فلا عقاب عليه كيف وقد يحكم الشرع بجواز ارتكاب الضرر القطعي الغير المتعلق بأمر المعاد كما هو المفروض في الضرر المحتمل في المقام . فإن قيل نختار أولا احتمال الضرر المتعلق بأمور الآخرة والعقل لا يدفع ترتبه من دون بيان لاحتمال المصلحة في عدم البيان ووكول الأمر إلى ما يقتضيه العقل كما صرح في العدة في جواب